جلال الدين الرومي
4
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
الروحي و « عمارة الروح من خراب الجسد » ، وقد تبدل أبدال الحق أو الأولياء العظام إلي أرواح خالصة . ومن هنا يستهل مولانا هذا السفر من أسفار المثنوي بفكرة أن كل ما في الكون « أكل ومأكول » ، وواهب الحلوق التي تيسر هذا الأكل هو الله سبحانه وتعالي ، وكل يأكل ما يسر له ، ثم يصير بدوره مأكولا لمن هو فوقه في مراتب الخليقة ، والإنسان فحسب هو الذي يستطيع أن ينجو من هذا المصير - أي أن يكون مأكولا لغيره - عندما يتحول إلي « إجلالي » أي منسوبا لذي الجلال يتحول إلي روح خالصة ، فيتبدل طعامه من طعام مادي إلي طعام معنوي ، ويوهب كل - عضو - فيه خلقا جديدا بحيث تري العين - ما لا تراه العين العادية ، وتشم الأنف ما لا تشمه الأنف العادية ، وتسمع الأذن ما لا تسمعه الأذن العادية . وتقوم دورة الخليقة - في رأي مولانا - علي هذه الفكرة ، فالحياة دائما في رقى ، وإنما يفني المأكول في الأكل ، لأنه أدنى منه مرتبة ، فالوجود في صعود ، أو بتعبير لملا محمد هادي السبزواري فيلسوف إيران المعاصر « في الصعود تكون الجمادات غذاء للنباتات ، والنباتات غذاء للحيوانات ومن ثم فكل عالم أدني يفنى فيما هو أعلي كفناء الغذاء في المتغذي ، وهذا ما تراه في الإنسان حتى يظل من الخالدين « 1 » فالفناء هنا نوع من الرقى والصعود ، عبر عنه مولانا جلال الدين بطريقته البسيطة المعجزة عن طريق حكاية السيدة التي كانت تغلي حبوب الحمص وتقلبها في القدر ، ويكسب مولانا جلال الدين حبة الحمص « حياة مفترضة » بعد أن شرحت لها السيدة « سر الغليان والنضج » فتخاطبها قائلة « ما دام الأمر هكذا يا سيدتي فلأغل جيدا وساعدينى بصدق - إنك في هذا الإنضاج بمثابة المعمار لي ، فقلبينى بالمعرفة
--> ( 1 ) ملا محمد هادي سبزوارى : شرح المثنوى ص 198 - « طهران » بدون تاريخ .